آخر الأحداث والمستجدات
كلنا "فراقشيون" ... !؟؟ : قراءة في تحور المفهوم وثقافة الاستحواذ بقلم الحاج ساسيوي
بداية أنوه إلى أن طرحي لهذا السؤال لم يكن هدفه الإدانة الجماعية، بل هو محاولة لفهم فكرة مفادها: كيف يمكن لسلوكيات متفرقة أن تتجمع لتشكل ثقافة واحدة، فتجعل من الاستحواذ والعبث بالفرص والامتيازات والموارد سلوكا مألوفا.
لست أدري من الذي جعلني غير مقتنع بأن مفهوم "الفراقشي" لم يعط حقه في الوصف والتحليل والتفسير؟ ربما لأنني عندما أتأمل هذا الوصف أجده يسعفني في فهم أحداث كثيرة استعصى علي استيعابها، لهذا وغيره وجدت هذا المفهوم يكاد يحاصرني كلما أردت الخوض في تحليل ظاهرة مجتمعية ما، بغض النظر عن طبيعتها، مما ولد لدي قلقا معرفيا وشعورا مستفزا وشكا مريبا؛ لأطرح السؤال الاستفهامي الكبير والدقيق الذي وسمت به هذه الخربشة القلمية، والذي يمكنني صياغته من جديد حتى يتضح معناه ومبتغاه، كالتالي: هل فعلا كلنا "فراقشيون"؟
لنعد إلى المفهوم، فقد برز بقوة من بين مجموعة من المفاهيم التي تم التداول بشأنها، فتم استهلاكه واستعارته وتوظيفه داخل الأوساط المجتمعية بمختلف مكوناتها ومستوياتها؛ بل الأكثر من ذلك شكل فضاء للاشتباك بين هذه المكونات. ولنرجع إلى أصل تسميته، فهو لايندرج ضمن المصطلحات العربية الفصيحة والشائعة، إلا أنه في الاستعمال الشعبي وفي الثقافة المجتمعية لدى غالبية المغاربة هو الشخص الذي يترصد القطيع، وخصوصا الأغنام في عتمة الليل، فيسرق ماتيسر له منها، ثم يختفي قبل أن يطلع الفجر؛ "والفراقش" ترمز وتحيل في الثقافة المغربية إلى أرجل الأغنام بالدرجة الأولى، وباقي القطيع في مرحلة موالية.
وأما اليوم، فقد اتسع الخرق على الراقع، فلم يعد مكون سارقي الأغنام وحيدا ومنفردا في وصفه ونعته؛ بل تزاحمت معه مكونات أخرى تريد قسمة ضيزى فيه، فاتسعت الغنيمة حتى صارت منصبا، وصفقة، وامتيازا، وصوتا انتخابيا، ودعما عموميا، ومعلومة، ووقتا، وثقة، وأملا. إنه الوطن الذي يستهدف !
لم يعد "التفرقيش" مجرد أداة وصف، بل أصبح مفتاحا لفهم تحولات عميقة في المجتمع. وبذلك فقد تحور عن معناه الأصلي إلى استعارة اجتماعية واسعة، فانتقل من دلالة بسيطة مرتبطة بسرقة المواشي، إلى رمز لثقافة كاملة تقوم على الاستحواذ على ما ليس من حق الفرد بغض النظر عن الوسيلة المتبناة. إن هذا التحول الدلالي يعكس تحولًا أعمق في بنية التفكير الجماعي؛ فالمجتمع الذي كان يرى "الفراقشي" لايعدو كونه لصا للمواشي، أصبح اليوم يراه في صور متعددة: في السياسة، وفي الإدارة، وفي الاقتصاد، وفي الإعلام، وفي تفاصيل الحياة اليومية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن - فعلا- كلنا "فراقشيون"؟
وبالجملة؛ يبرز مفهوم "منطق الغنيمة" حيث المنصب يصبح فرصة، والسلطة امتياز شخصي؛ في مقابل "منطق الأمانة" الذي يعتبر الدولة عقدا، والمنصب تكليفا، والسلطة مسؤولية، والمال العام ملك مشترك.
وبالمحصلة؛ ف"السياسة الفراقشية" تبدأ عندما يتحول المنصب من أداة لخدمة الصالح العام إلى وسيلة لبناء النفوذ وتوزيع الامتيازات. وبصيغة أدق، حين تصبح الانتخابات مجرد مدخل للسلطة، لا التزامًا أخلاقيًا تجاه الناخب، وحين تتحول البرامج إلى وعود ظرفية، فتفقد السياسة معناها التمثيلي وتقترب من منطق الغنيمة. والنتيجة الحتمية هي سرقة الأمل السياسي، فيفقد المواطن ثقته في السياسة، ويعزف عن المشاركة، ويصبح العزوف نتيجة طبيعية لفقدان المعنى.
وفي الإدارة العمومية، يتخذ "الفراقشي" شكلاً أكثر خفاء، لكنه لا يقل ضررا. فالموظف الذي يعطل مصالح الناس، أو يميز بينهم، أو يجعل من الخدمة العمومية وسيلة للضغط أو الامتياز، فإنه يهدر الزمن التنموي وكرامة المواطن. فالإدارة في جوهرها خدمة موجهة إليه (المواطن). وكل انحراف عن هذا المقتضى يعيد إنتاج فكرة الغنيمة داخل مؤسسة يفترض أن تقوم على المساواة.
وفي الاقتصاد، ف"الفراقشي" هو التاجر الذي يحتكر السلع في الأزمات، أو المضارب الذي يرفع الأسعار دون مبرر، أو المقاول الذي يحصل على الصفقات بالنفوذ بدل الكفاءة،... ومن هذا المنطلق، تتحول السوق من فضاء تنافسي إلى مجال لإعادة إنتاج الامتيازات؛ فيغيب الاستحقاق.
وأما في الإعلام، فإن خطورته تكمن في قدرته على تشكيل وعي منحرف عن أهدافه، فتتحول الحقيقة إلى سلعة، والمعلومة إلى أداة توجيه، ف"الإعلامي الفراقشي" هو من يسرق الوعي قبل أن يسرق المال.
وأما لدى مؤسسات المجتمع المدني، فإنها تنحرف حين تتحول إلى واجهة لمصالح فردية أو قنوات للتمويل دون أثر اجتماعي حقيقي. ونسجل أن أكثر الحلقات تعقيدا أثناء التحليل هي التي تخص المواطن؛ فمن السهل نقد السياسي أو الإداري أو رجل الأعمال،... لكن من الصعب تجاهل الممارسات اليومية الصغيرة التي تعيد إنتاج المنطق نفسه: الغش، والتهرب الضريبي، والرشوة، واحتلال الملك العام، أو البحث عن الاستثناء بدل احترام القاعدة. وهنا تتضح المفارقة: الجميع يدين "التفرقيش"، لكن كثيرين يقبلون به عندما يخدم مصالحهم الخاصة.
إن جوهر أزمة "التفرقيش" لا يكمن في الأفراد، بل في الثقافة التي تجعل من الاستحواذ سلوكا مبررا. فحين يُنظر إلى القانون كقيد يمكن الالتفاف عليه، وإلى المنصب كغنيمة، وإلى المال العام كملكية مباحة، فإننا نكون أمام اختلال في البنية القيمية للمجتمع.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بثقافة تعتبر أن الأمانة قيمة قبل أن تكون التزاما قانونيا، وأن احترام الحق العام شرط أساس لوجود مجتمع متوازن.
ختاما، إن السؤال الحقيقي ليس: من هو "الفراقشي"؟بل،كيف نمنع أنفسنا من أن نصبح - من حيث لا نشعر- جزءًا من ثقافة "التفرقيش"؟
ف"التفرقيش" ليس مهنة، إنه عقلية. وما لم يتحول منطق الأمانة إلى قاعدة اجتماعية راسخة، سيظل منطق الغنيمة يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة، مهما تغيرت الوجوه والمواقع واللغة.
| الكاتب : | الحاج ساسيوي-أستاذ التعليم العالي |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-07-02 15:55:40 |











